محمد ابو زهره
583
خاتم النبيين ( ص )
فهو قد عرف النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قبل قدومه المدينة المنورة وتعرف صفات النبوة فيه التي بشر بها في التوراة ، وخاطب بذلك بعض أهل بيته ، إذ كان فرحا بقدومه ولم يوافقه ابتداء من عرف من أهل بيته ، حتى قالت له عمته في فرحته : « واللّه لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادما مازدت ، فقال لها المؤمن المخلص الذي لم يشب إخلاصه تعصب لنحلة سابقة : أي عمة هو واللّه أخو موسى بن عمران ، وعلى دينه بعث ، ولم تلبث أن وافقته » . وإذا كان عبد اللّه بن سلام الحبر اليهودي المخلص قد عرف الحق ، وأدرك فقد عرف قومه من اليهود وأدرك انحرافهم ، وأنهم اتخذوا آلهتهم هواهم ، وهواهم هو شهوة التحيز ، حتى جعلوا الدين عنصرا ، وليس اعتقادا خالصا فأراد أن يكشف حالهم . ذهب إلى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم بعد إذ آمن ، ولم يعلن إيمانه ، فقال له : يا رسول اللّه إن يهود قوم بهت ( أي يبهتون ويكذبون بالباطل ) ، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك ، وتغيا بنى عنهم ، ثم تسألهم عني ، حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامى فإنهم إن علموا بهتوني ، وعابونى . وأدخلني الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم في بعض بيوته ، فدخلوا عليه وكلموه ، وسألوه ثم سألهم : أين الحصين « 1 » بن سلام ، فقالوا سيدنا وابن سيدنا ، وخيرنا وعالمنا . فلما فرغوا من قولهم خرج عليهم ، فقال لهم : « يا معشر يهود ، اتقوا اللّه ، واقبلوا ما جاءكم به ، واللّه إنكم لتعلمون أنه لرسول اللّه ، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة باسمه وصفته فإني أشهد أنه رسول اللّه ، وأومن به وأصدقه وأعرفه ، فقالوا : كذبت . فقلت لرسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : ألم أخبرك أنهم قوم بهت ، أهل غدر وكذب ، وفجور ، فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي جميعا . ولقد كانوا يكثرون من الطعون فيه ، ويقولون : إنه من الأشرار عندنا . وهو الذي ذكروا أنه من خيرهم وأعلمهم وأعدلهم ، ولكنهم يكفرون بما يعلمون ، ويكتمون ما عندهم . وأما الثاني وهو مخيرق ، فقد كان علما من أعلامهم ، وحبرا من أحبارهم . وكان رجلا ذا مال أعطاه اللّه تعالى بسطة من العلم والمال ، وكان يعرف رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم بصفته في التوراة .
--> ( 1 ) وكان اسمه هذا قبل الإسلام .